صديق الحسيني القنوجي البخاري
422
فتح البيان في مقاصد القرآن
ومن ذلك قوله : فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ [ البقرة : 59 ] أَلِيمٌ أي الشديد الألم ، ولما ذكر الذين سعوا في إبطال آيات اللّه ذكر الذين يؤمنون بها فقال : وَيَرَى أي يعلم الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وهم الصحابة قاله قتادة وقال مقاتل : هم مؤمنو أهل الكتاب . وقيل : جميع المسلمين ، والأولى أنه كلام مستأنف لدفع ما يقوله الذين سعوا في الآيات ، أي أن ذلك السعي منهم يدل على جهلهم ، لأنهم مخالفون لما يعلمه أهل العلم في شأن الكتاب . الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ أي الصدق يعني أنه من عند اللّه وَيَهْدِي إِلى صِراطِ معطوف على الحق عطف فعل على اسم لأنه في تأويله كما في قوله : صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ [ الملك : 19 ] أي : وقابضات كأنه قيل وهاديا وقيل إنه مستأنف وفاعله ضمير يرجع إلى فاعل أنزل ، وهو القرآن ، والصراط : الطريق أي : ويهدي إلى طريق . الْعَزِيزِ في ملكه الْحَمِيدِ عند خلقه والمراد أن يهدي إلى دين اللّه الإسلام وهو التوحيد ، ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من كلام منكري البعث فقال : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بعضهم لبعض : هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ أي هل نرشدكم إلى رجل يعنون محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، والتعبير برجل المنكر من باب التجاهل ، كأنهم لم يعرفوا منه إلا أنه رجل وهو عندهم أشهر من الشمس قاله الشهاب ، وقال القرطبي : كانوا يقصدون بذلك السخرية والهزأة . يُنَبِّئُكُمْ يخبركم بأمر عجيب ونبأ غريب هو أنكم إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي فرقتم كل تفريق وقطعتم كل تقطيع وصرتم بعد موتكم رفاتا وترابا ، وقال الكرخي : أي كل مكان تمزيق من القبور ، وبطون الوحش والطير . إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي تخلقون وتنشأون خلقا جديدا ، وتبعثون من قبوركم أحياء ، وتعودون إلى الصور التي كنتم عليها بعد أن تمزقت أجسادكم كل تمزيق ، قال هذا القول بعضهم لبعض استهزاء بما وعدهم اللّه على لسان رسوله من البعث ، وأخرجوا الكلام مخرج التلهي به والتضاحك مما يقوله من ذلك ، قال الزجاج : التقدير إذا مزقتم كل ممزق بعثتم أو ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم ، وأصل المزق : خرق الأشياء يقال ثوب مزيق وممزق ومتمزق وممزوق . وعن قتادة في الآية قال : قال ذلك مشركو قريش ، إذا أكلتكم الأرض وصرتم رفاتا وعظاما وتقطعتكم السباع والطير ، أنكم ستحيون وتبعثون ، قالوا ذلك تكذيبا له ، وجديد عند البصريين بمعنى فاعل ، يقال جد الشيء فهو جاد ، وعند الكوفيين بمعنى مفعول من جددته أي قطعته ، ثم حكى سبحانه عن هؤلاء الكفار أنهم رددوا ما وعدهم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من البعث بين أمرين فقالوا :